تأملات ميلادية: سلام المسيح وسلام العالم
د. جريس سعد خوري
في كل مرة يجتمع فيها الأصدقاء والأقرباء والأهل نردد بفرح ما ورد في كتاب المزامير “ما ألذ وما أطيب أن يجتمع الإخوة معاً”.
نعم، الاجتماعات فيما بيننا تعني الود والمحبة والتقارب وخلق أجواء من الوحدة والتضامن والمشاركة. نعم، نفرح كبشر عندما نلتقي وهذا أمر طبيعي. ولكن فرحتنا بميلاد المسيح يجب ان تكون اكبر بكثير لان “الكلمة صار بشراً وسكن بيننا”، وعاش معنا وأحبنا وتكلم الينا وعلّمنا وسكن بيننا ليعيد لنا كرامتنا التي سلبت بالخطيئة وليعلّمنا القيم التي من خلالها نحقق ذواتنا ونقوم مسيرتنا حتى نخرج من الظلمة الى النور ونسير في طريقه وعلى هدي تعاليمه، ونبني مجتمعاتنا على أسس من المحبة والعدالة وهذه هي رسالة الميلاد ومعنى التجسد.
وسؤالنا في موسم الميلاد هو: هل نعيش مسيحيتنا حسب التعاليم والقيم التي علمنا إياها السيد المسيح؟ هل نحب الفقير واليتيم؟ هل نساعد المظلوم؟ هل نحب الأعداء ونغفر لهم ونصالحهم؟ هل توجد في قلوبنا رحمة؟ هل نعمل من اجل تحقيق العدل والسلام بين الشعوب؟ هل نحن نسير على طريق المسيح المضاءة بتعاليمه أم نسير في الظلمة وطريق الشر؟ هل نشهد للمسيح ولتعاليمه في مجتمعاتنا وفي حياتنا اليومية ام أصبحت المسيحية للكثيرين شعاراً يتغنون به؟ هل يمكن ان نكون مسيحيين في الوقت الذي نظلم فيه الآخرين ونحرمهم من حريتهم وحقوقهم ونستعبدهم ونستغلهم ونهمشهم ونزيد من فقرهم وإذلالهم إرضاءً لأنانياتنا وأهدافنا العسكرية والاقتصادية؟
وفي هذا الزمن المقدس نتساءل: مَن من القادة الدوليين المسيحيين الذين يحتفلون بميلاد الطفل يسوع يسير على نهجه وطريقه ويجسد تعاليمه ويوفر الراحة والطمأنينة والأمن والاستقرار لشعوب الأرض؟
إنني اعتقد، وآمل بأن أكون مخطئاً، إن الكثيرين منهم لا يعرفون المسيح ولا تعاليمه لأنهم بدلاً من التواضع يعملون من اجل كبريائهم وبدلاً من مساعدة الفقير والمظلوم فان سياساتهم تزيد من فقر الفقراء وظلم المظلومين. وبدلاً من المحبة التي علمنا إياها السيد المسيح يعاملون الآخرين بكراهية ونقمة، وعلى رأسهم الرئيس الأمريكي جورج بوش الذي يفاخر بمسيحيته وهو أبعد الناس عن تعاليم السيد المسيح لان سياساته مرتكزة على الغطرسة والقوة والبطش واستغلال الشعوب ومواردها الطبيعية بدلاً من الحوار والتعاون والتنمية. انهم يسمعوننا كلاماً معسولاً وكأن همهم كرامة الإنسان وحريته وهم في الواقع كالذئاب الخاطفة لأن أنيابهم قد مزقت شعوبا ودولاً كثيرة وزرعوا فيها الحقد بدلا من المحبة ومارسوا القوة بدلا من الرحمة، والبطش والهيمنة بدلا من الحوار، وبدلاً من ان تكون سياساتهم متأثرة بكلام الله وبرحمته نراهم يتكلمون عن أسلحتهم وقوتهم الاقتصادية وبرامجهم التوسعية والاستعمارية. يتكلمون عن العولمة ويروجون لها دون التنبيه الى سلبياتها وبخاصة القيم الأخلاقية التي بدأت مجتمعاتنا الصغيرة والكبيرة تشتاق اليها. يتكلمون عن السلام وسلامهم بعيد عن السلام الذي علمنا إياه السيد المسيح. فسلام بوش وعدد كبير من رؤساء الدول المسيحيين مبني على توازنات عسكرية واقتصادية، سلام لا يعرف العدل ولا القيم التي علم بها السيد المسيح. لقد علمنا أمير السلام أن “سلامه غير سلام العالم”؛ لأنه سلام مبني على قيم إنسانية أساسها المحبة والعدل والرحمة وعدم التمييز ومحبة الجميع حتى الأعداء.لذا، ماذا سيقول الرئيس بوش الذي سيزور الأرض المقدسة بموسم الميلاد للسيد المسيح؟ بماذا سيخاطبه وكيف سيشعر عندما ينظر إلى المذود الحقير الذي استقبل ملك المجد!! ماذا سيقول سيد البيت الأبيض للسيد المسيح عن السلام والقيم الإنسانية وعن العدل والمحبة؟ نتساءل لان قرارات كثيرة تصدر من البيت الأبيض تذكرنا بقول السيد المسيح عندما وبخ الكتبة والفريسيين ووصفهم بالقبور المكلسة بحيث ان ظاهرها جميل ومن باطنها تخرج روائح نتنة. هكذا، فان البيت الأبيض الذي يرأسه السيد جورج بوش جميل في مظهره الخارجي ولكن وللأسف تخرج من داخله قرارات سياسية نتنه ورائحتها كريهة وغير نزيهة لأنها قرارات بها ظلم للآخرين وتهميش لكثير من الشعوب وبخاصة لشعبنا العربي الفلسطيني الذي يعاني منذ أكثر من ستين عاما بسبب الموقف الأمريكي المنحاز لإسرائيل وبسبب عدم تطبيق القرارات الدولية المتعلقة بالقضية الفلسطينية، الأمر الذي منع تحقيق العدل لشعبنا المظلوم، والاستقرار في شرقنا الحبيب.
وفي موسم الميلاد أريد أيضا كعربي فلسطيني مسيحي أن أؤكد للرئيس بوش ولعدد كبير من القادة الغربيين أننا كمسيحيين عرب نعيش في دولنا العربية نعاني أحياناً بسبب سياساتكم الخارجية غير العادلة وغير الموضوعية من الإسلام والمسلمين؛ الذين بدورهم يشعرون بالغضب وقلة جاهلة منهم تقوم بأعمال غير عقلانية وغير أخلاقية كالاعتداء على المسيحيين وعلى مقدساتهم كرد فعلٍ على مواقف وسياسات الدول الغربية، على اعتبار أن المسيحيين واحد، وأكبر دليل على هذا ما يحدث مع مسيحيي العراق من تنكيل واعتداءات الأمر الذي أدى إلى هجرة نسبة كبيرة منهم إلى الغرب أو إلى دول الجوار كالأردن وسوريا.
لذا، ومن منطلق حرصنا على حضورنا المسيحي في دولنا العربية الذي نعتبره نعمة للكنيسة الجامعة وللمسلمين وللغربيين، نقول للقادة الغربيين المسيحيين وبشكل خاص للرئيس الأمريكي بوش كفى من هذه السياسات الظالمة ضد الإسلام والمسلمين، لأنكم بمواقفكم المنحازة وبسياساتكم غير الموضوعية تزيدون عدد المتزمتين وتسببون زيادة العنف والإرهاب، الأمر الذي يساهم حتما في تخوف وتقوقع المسيحيين وهجرتهم، وهذا يؤدي حتما إلى تفريغ الشرق العربي من المسيحيين الذين تمتد جذورهم في هذه الأرض إلى زمن المسيح، وأنتم المسئولون عن هذا الخطأ وهذه الخطيئة. لذا، بدلاً من هذه السياسات الظالمة عليكم ان تتعرفوا على الإسلام والمسلمين بشكل أعمق وأوسع وان تسألوا العرب المسيحيين عن خبرة عيشهم المشترك وعن القيم المشتركة بين الديانات لتتعلموا معنى وأهمية الحوار والتضامن والعيش في مجتمعات تعددية: دينياً وسياسياً وثقافياً. ومن جهة ثانية هذا الأمر لا يعفي المسلمين من مسؤولياتهم، وعليهم التمييز بين بعض المواقف الغربية السلبية وموقف المسيحيين العرب الذي يؤمنون بهويتهم الثقافية والوطنية ويفتخرون بمشاركتهم لإخوتهم المسلمين في بناء الحضارة العربية وصياغة العيش المشترك لأكثر من 1600 عام. لذا، على المسلمين عدم التعميم وعليهم احترام إخوتهم المسيحيين الذين يشاركونهم عيشهم اليومي وشاركوهم تاريخهم المشترك وان يحافظوا على وحدتهم الوطنية وينبذوا معا كل السياسات الظالمة وغير العادلة من أي جهة كانت لأننا إما أن نكون معاً أو لا نكون!
وفي النهاية أؤكد على انه بالرغم من كل الصعوبات والامتهانات التي تواجه الشعب الفلسطيني وحرمانه من حقوقه وحريته وكرامته، إن ميلاد الطفل يسوع يجدد فينا الأمل ويقوي الرجاء بمستقبل يستعيد فيه الفلسطيني حقه ويقيم دولته وان تكون القدس عاصمة لها وان يحل السلام في الأرض التي ولد فيها أمير السلام وان يعيش الشعبان الفلسطيني والإسرائيلي بسلام واحترام متبادل. هذا أملنا من زيارة الرئيس الأمريكي سائلين الله ان يلهمه السير في طريق النور ليرى الحقيقة وليقل كلمة الحق دون خوف او تردد وان يعمل بجدية اكبر لحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي أولاً والعربي الإسرائيلي ثانياً حلاً عادلاً وأن يسحب قواته الاحتلالية من العراق وبهذا يكون قد خدم شعوب المنطقة وقوى الكنيسة المحلية وابتعد عن سياسة القوة والظلم والقتل وتمزيق الشعوب والدول ليعود الأمن والاستقرار والكرامة للجميع يهوداً وعرباً وحينها فقط نردد ما علمنا إياه الذي نحتفي بمولده: “طوبى للساعين الى السلام فانهم أبناء الله يدعون”، وإلا ستردد الشعوب “لعنة الله على مبغضي السلام لأنهم أبناء الشيطان يدعون”.