Home المطبوعاتفي القدس يتعانق العدل والسلام

في القدس يتعانق العدل والسلام

صيف 1989

by mPeNDayu
239 views

مقدمة

 

تؤكد الوثيقة الاسلاسية “اللاهوت والكنيسة المحلية في الأرض المقدسة”، التي تبناها مؤتمر “اللاهوت والكنيسة الملحية” الأول (2-4 تموز 1988) ان الكنيسة الملحية “لا تعيش خارج نطاق الزمان والمكان” لأنها “كنيسة متجسدة على غرار المسيح المتجسد”. وعليه فانها تتفاعل مع كل الظروف الحقيقية التي تشكل جزءا من كيانها المتجسد”.

 

على أساس المبدأ اللاهوتي العام تدخل الوثيقة في تفاصل الخصوصيات التي تضفي على كنيستنا المقدسية وجهها المميز وملامحها الخاصة بها. واحدى هذه الميزات انها تعيش “ضمن شعب” (الشعب الفلسطيني)” له ميزة خاصة وخبرات تاريخية متنوعة، قديمة وحديثة، بكل ما فيها من آلام وآمال.

 

ان الأمل الكبير الذي يتوق اليه ضمير هذا الشعب، والذي امتزجت به الآلام ومعاناة التشرد والدماء، هو أمله في السلام العادل، الذي يحقق استقلاله وتطلعاته النبيلة والذي يعتبر هبة الهية وحقا طبيعيا له ولجميع شعوب الأرض. ومن أجل هذا الامل عانى الكثير ودفع الثمن غاليا ومعه عانت جميع شعوب هذه المنطقة. ولقد حان الوقت ان يقف العالم وقفة جادة وملتزمة وشجاعة كي يساند شعبنا في سعيه لوضع حد لآلامه ونيل حقوقه، فيستتب السلام القائم على العدل، تمجيدا لله وخيرا لشعوب المنطقة وللبشرية جمعاء.

 

وانطلاقا من سعيه نحو تحقيق تطلعاته واستقلاله مد شعبنا الفلسطيني يد السلام، فتقدم بمبادرة استندت الى تحليل عقلاني للمواقف الراهنة من خلال مداولات ديمقراطية عبر مؤسساته الشرعية مما أضفى عليها صفة المرونة والدينامية التي تستوعب مختلف المعطيات والتغيرات وتتفاعل معها.

 

ليست هذه الوثيقة سياسية، بل هي تأملات ورؤى لاهوتية، ولدت في قلب المعاناة اليومية للانتفاضة التي اخصبها ايماننا بنوره وهديه. واننا نطرحها للتفكير والتأمل والحوار كي تكون خطوة، مهما كانت متواضعة، على طريق السلام والعدل في أرضنا الحبيبة.

 

التوجه نحو السلام

 

بعد ان عاش العالم، في أعقاب الحرب العالمية الثانية، سنوات طويلة في ظل الحرب الباردة، انعكست سلبيا على مصائر الشعوب والأمم، خاصة الصغيرة منها والضعيفة، بدت تلوح في الأفق ملامح انفراج دولي تبشر بمناخ أفضل لحل الصراعات الدولية والاقليمية. ان مثل هذا التوجه يحمل في طياته خطر التلفيقات المتسرعة، التي يجب التوصل اليها مهما كلف الأمر، والتي قد لا تأخذ في الحسبان في بعض الأحيان متطلبات العدل والسلام. لذا، فالمناخ المشار اليه يظل حافزا للعمل الجاد والصبور لبناء عالم أفضل لبني الانسان.

 

لقد تجاوب الشعب الفلسطيني، مع هذا التوجه العالمي، وراح من وسط الانتفاضة، يمد غصن الزيتون بمبادرات تحمل مضمونا سياسيا يتسم بالجرأة التاريخية داعيا الجميع الى الحوار البناء، والدخول معه في الطريق الذي يفتح الأبواب واسعة لفترة تاريخية جديدة تنتقل فيها شعوب المنطقة من تحقيق السلام والعدل الى بناء حضارة حقيقية تحييها القيم السامية المستمدة من التراث الانساني والروحي الأصيل لهذا الشرق الذي أهدى البشرية أحسن ما عندها.

 

لقد تجاوب الشعب الفلسطيني، مع هذا التوجه العالمي، وراح من وسط الانتفاضة، يمد غصن الزيتون بمبادرات تحمل مضمونا سياسيا يتسم بالجرأة التاريخية داعيا الجميع الى الحوار البناء، والدخول معه في الطريق الذي يفتح الأبواب واسعة لفترة تاريخية جديدة فيها شعوب المنطقة من تحقيق السلام والعدل الى بناء حضارة حقيقية تحييها القيم السامية المستمدة من التراث الانساني والروحي الأصيل لهذا الشرق الذي اهدى البشرية أحسن ما عندها.

 

ان كنيسة الأرض المقدسة، التي ترفض الظلم بكافة اشكاله، تساند مبادرة السلام الفلسطينية الراهنة، وترى فيها اصبعا الهيا ودعوة سماوية للسير مع الاخوة جميعا لما يخدم العدل والسلام. اننا نؤمن ان السلام والعدل من قيم الملكوت التي تجسدت بتجسد المسيح والتي عاشها ومات من أجلها وقيامته عزز الأمل والرجاء في تحقيقها. ( لوقا 14:2)

 

ان السلام هو، قبل كل شيء سلام الله الذي حل بين البشر في يسوع المسيح: السلام استودعكم وسلامي أمنحكم (يوحنا 27:14). وهو السلام الذي نعرف انه من ثمار الروح في حياة المؤمن: “أما ثمر الروح فهو المحبة والفرح والسلام…” (غلاطية 22:5). ان هذا السلام، الذي نقبله من الله هو عينه الذي نضع التزامنا في خدمته ومساهمتنا المتواضعة مع جميع اخوتنا في تحقيقه خدمة للانسان المخلوق على صورة الله ومثاله في هذه البقعة العزيزة من العالم. “طوبي لصانعي السلام، فانهم أبناء الله يدعون.” (متى 9:5)

 

ان الرغبة في السلام، تقتضي التزاما حقيقيا، صادقا، وديناميا، ينطر الى المستقبل بدل ان يظل سجين ماض يحول دون مواجهة الواقع كما هو، ودون اعتبار الآخر ندا حقيقيا نتوجه معه لاضده او بغض النظر عنه وعن حقوقه، نحو السلام والطمأنينة. ان المستقبل يتحدانا جميعا ويستحثنا لتبني أفكارا بناءة وجديدة يمليها الواقع الحقيقي الذي لا يجوز لاحد ان يتغاضى عنه. “هاأنذا أجعل كل شي جديدا.” (رؤيا 5:21)

 

القدس دعوة الى العدل والسلام

 

يتجسد الأمل في العدل والسلام في مدينة القدس، التي تعتبرها الديانات السماوية المكان الذي اختاره الله كي يقيم حوارا مع الإنسان ليرفعه الى مستوى الحوار مع أخيه الإنسان. وبالنسبة للمسيحيين، فقد وجد هذا الحوار قمته في شخص السيد المسيح، الكلمة الذي صار بشرا وسكن بيننا (يوحنا 14:1). وعلى تلة الجلجلة مات المسيح وبقيامته من بين الأموات أقام جسرا منيعا بين الله والإنسان وبين الإنسان وأخيه الإنسان: “انه سلامنا. فقد جعل الجماعتين جماعة واحدة وهدم بجسده الحاجز، الذي يفصل بينهما، أي العداوة…” (أفسس 14:2)

 

يستمد العدل والسلام من واقع القدس، المادي والروحي، دوافعه وقواعده الثابتة. ان القدس هي مدينة الله التي يستظل تحت جناحيها أبناء الله الكثيرون. وعليه فلا يمكن ان يتم السلام لفئة على حساب فئة أخرى، ولشعب على حساب شعب آخر، كما لا يمكن ان ينعم شعب بسلام القدس عندما يحرم غيره من هذه النعمة. ان الاستثنائية والانفرادية اللتان تحرمان فئة من خلائق الله من نعمة القدس لهما تعد على طبيعة القدس ودعوتها ورسالتها وواقعها التاريخي والديني والسياسي. وهذا يتطلب رؤية سياسية رحبة تترجم هذا الواقع الى حقيقة سياسية تستوعب معطيات القدس ومركزيتها لجميع ابنائها وللعالم بأسره. وعلى هذا الأساس تصبح القدس نقطة لقاء بدل ان تكون نقطة تنافر، داعية الجميع ان يكونوا قادرين على قبول بعضهم البعض بكل واقعهم الانساني والسياسي والاجتماعي والديني والثقافي. وعندئذ فقط، يمكن ان نردد مع الحديث الشريف: “من أراد ان ينظر الى بقعة من بقاع الجنة فلينظر الى بيت المقدس”.

 

وعليه فان القدس هي مدينة المستقبل التي تخبئ لنا جميعا أحسن ما عندها، شريطة ان يتخطى الجميع حدود ذواتهم الضيقة فيتيحوا للقدس ان تمارس دورها ورسالتها الأرضية والسماوية. ان ساعة القدس، التي ننتظرها ونسعى لها، هي ساعة الله، وساعة الانسان، وساعتنا جميعا. وعلى هذا الأساس رأى المسيحيون في القدس على مدى الأجيال صورة لتلك المدينة السماوية التي نسير اليها في الأمل والرجاء والتي سيكون الله فيها والبشر أجمعين كلا للكل.

 

ان رسالة القدس هي رسالة موجهة الى كافة أبناء الأرض المقدسة والى العالم كله، وتصرخ في وجهنا وتتحدانا: لا سلام بغير عدل، ولا عدل بغير حقوق أي ان يأخذ كل ذي حق حقه، وبهذا فقط تتخطى شعوب المنطقة العقد التاريخية والدينية والاجتماعية. ان رفض هذه الرسالة معناه اختيار طريق القمع والظلم والقتل، وهذا ما نرفضه ولا نريده لمنطقتنا ولا لأي شعب من شعوب العالم. أمنيتنا هي ان يتحقق في القدس سلام المسيح وليس سلام العالم، (يوحنا 17:14) لتتم نبوءة أشعياء القائلة: “فيسكن الذئب مع الحمل ويربض النمر مع الجدي ويكون العجل والشبل والمعلوف معا وصبي صغير يسوقهما”. (6:11)

 

من سلام القدس الى سلام العالم

 

في القدس يكمن توجه البشرية بأسرها الى السلام والعدل وسعيها اليهما، لأن المدينة المقدسة، على غرار الكنيسة، هي علامة منصوبة بين الأمم تذكرها بدعوتها الأساسية الا وهي السعي الدائم الى مزيد من الانسجام في عالم الانسان. ان مصير القدس يتعدى حنين أهلها ومحبيها، لأنه يمكن اعتباره نموذجا لمصير العالم كله. وما يحدث فيها من حروب وخصومات لا يمكن ان يترك العالم لا مباليا ومحايدا، لانه يعرف ان مصيره يتقرر فيها وأن آماله في العدل والسلام تتحرك في رحابها المقدسة.

 

ان سعي أهل القدس الى العدل والسلام لهو سعي باسم البشرية جمعاء ومن أجلها، خاصة المقهورين منها والمظلومين والمسحوقين والمذلولين. ان دعاة السلام في أرضنا المقدسة لا يمثلون أنفسهم فحسب، بل يمثلون عطش الناس أجمعين الذين تهددهم شتى أنواع المظالم والمخاوف. ان صرختنا من أجل سلام القدس وعدلها لهي صرخة مدوية من أجل سلام العالم وعدله، لا على أساس أوهام التوازن العسكري والمصالح الأنانية، بل على أساس القيم الالهية والإنسانية التي تميز حضارة الإنسان والتي جعل الله لها في القدس مسكنا ومستقرا. “ليحل السلام بأسوارك والرخاء داخل قصورك. واني حبا باخوتي وخلاني سأحييك تحية السلام”. (مزمور 121: 7-8)

طريق السلام هو طريق الارتداد

 

لقد بكى يسوع على المدينة المقدسة عندما رأى الظلم فيها، وقال لها: “ليتك عرفت انت ايضا في هذا اليوم طريق السلام” (لوقا 19: 41-42) وأنذرها لأنها لم تستجب للدعوة التي خصها بها قائلا: “كم من مرة أردت ان أجمع أبنائك، كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها فلم تريدوا. هوذا بيتكم يترك لكم قفرا…” (متى 23: 37-38) هذا يعني، ان السلام لا يعتمد فقط على المهارة السياسية والحذلقات الدعائية، وانما يعتمد على قلب يقبل السلام ويحبه ويصبو اليه ويخضع لمتطلباته ويرجوه لنفسه وللآخرين. وعليه فان التحدي الذي تواجهنا به مدينة الله هو تحدي الارتداد الى قيم السلام ومتطلبات العدل ونداءاته التي تأخذ في المدينة المقدسة ملء معانيها الإلهية والانسانية. “قلبا نقيا أخلق فيَّ يا الله وروحا مستقيما جدد في أحشائي.” (مزمور 12:50)

 

ان الخوف والتخوف، وتحجيم الآخر وفق ما تقتضيه مصالحنا الأنانية الضيقة، والأفكار المسبقة التي تحول دون سماع الصوت الحقيقي الأصيل الذي يختلج في قلب الأفراد والشعوب، وتجاهل تطلعاتها وحقوقها الأساسية ورفضها باسم مواقف مطلقة أحادية، يتبرأ منها الله مهما قيلت باسمه… لهي عقبات تقف في طريق السلام. لا سلام بغير ارتداد، ولا ارتداد بغير الإصغاء الى صوت الله فينا، الذي ينقينا ويغيرنا. ان المدينة المقدسة هي مدينة الارتداد الى الحوار الملزم المبني على الصدق واحترام الآخر وتقبله.

 

 

خاتمة

 

ان الشعب الفلسطيني، انطلاقا من آلامه وآماله في إقامة دولته، يود ان يكون حاملا، مع كل محبي القدس وأبنائها في الجسد والروح، لشعلة العدل والسلام، ويوجه النداء الى العالم بأسره كي لا يدع الشعلة تنطفئ. ان السلام والعدل ممكنان اذا أردنا. بهذا الأمل نعيش ومن أجله نسعى.

 

ونحن المؤمنين بالمسيح، أسوة باخوتنا وبجميع ذوي النوايا الحسنة، نود ان نظل دائما دعاة وسعاة لهذا الأمل الكبير بالعدل والسلام مهما كان الثمن واننا على الله متكلون. والنعمة لكم والسلام من لدن الله أبينا، ومن لدن يسوع المسيح ربنا. آمين.

 

 

(اللجنة التحضيرية لمؤتمر اللاهوت والكنيسة المحلية في الأرض المقدسة)

( 13-15 تموز 1989)

Related Articles